تزوجتُ مشجعًا لميسي… فأصبحت أهتف للأرجنتين
ثمة قصص حب لا تُعلن عن نفسها. لا تُكتب في الرسائل، ولا تُعلَّق صورها على الجدران، بل تكتفي بأن تختبئ تحت قميص رسمي.
هكذا كان زوجي.
في صباحات الثلاثاء، يقف الأستاذ الجامعي المصري أمام طلابه، مستقيم القامة، هادئ النبرة، يشرح النظريات الاقتصادية كما لو أن العالم يمكن إصلاحه بمعادلة جيدة. يرون أستاذًا لا يخطئه الوقار، بينما أعرف أنا أن تحت القميص الأبيض المكوي وجهًا آخر يبتسم؛ وجه ليونيل ميسي. والرجل الذي يناقش الأسواق المالية في الصباح قد يفقد أعصابه مساءً بسبب ركلة ركنية.
ولعل أكثر ما يثير دهشتي أنه امتلك من قمصان ميسي أكثر مما امتلك من الأحذية.
أما أنا، فلم تكن كرة القدم يومًا من اللغات التي أتحدثها. لم أكن أكرهها، لكنها مرت بحياتي كما تمر المدن البعيدة خلف نافذة القطار؛ ألمحها، ثم أمضي. وكان زوجي يعرف ذلك، فلم يحاول أن يجرني إلى عالمه. لم يشرح لي قانون التسلل، ولم يطلب مني مشاهدة مباراة، ولم يجد لامبالاتي نقصًا ينبغي إصلاحه. كان يترك الباب مواربًا، ويعبره وحده كل عطلة نهاية أسبوع، ثم يعود بعد تسعين دقيقة أكثر خفة إذا فازت الأرجنتين، وأثقل بعشر سنوات إذا خذلته.
ثم جاء نهائي كأس العالم 2022.
قال فجأة:
“نسافر إلى قطر.”
سألته: “ولماذا؟”
قال بصوت خافت:
“قد تكون آخر كأس عالم لميسي.”
فسافرنا.
ولم يكن أحد قد هيأني لما ينتظرني في لوسيل.
كان الملعب، تلك الليلة، قلبًا هائلًا يخفق في صدر المدينة. ثمانون ألف روح تتنفس بإيقاع واحد، وتغني، وتتشبث بالأمل كأنها تعرف أن مصيرها معلق بتلك الكرة الصغيرة. حتى الغرباء كانوا يبتسمون لبعضهم بألفة لا يصنعها التعارف، بل الحلم المشترك.
كانت لدي خطة بسيطة: أساند زوجي، ألتقط بعض الصور، وأعود كما جئت.
عاشت الخطة عشرين دقيقة.
بعدها وجدتني أناول أعلام الأرجنتين الاحتياطية لمن حولنا. ناولت زوجين برازيليين علمًا وقلت، بثقة أدهشتني:
“ستحتاجانه.”
التفت إليّ زوجي، وفي عينيه دهشة صامتة؛ دهشة رجل رأى الباب الذي ظل مفتوحًا سنوات يُعبر أخيرًا.
والغريب أن التحول لم يحدث دفعة واحدة، ولذلك لم أشعر به.
توقفت عن السؤال: “من هذا اللاعب؟”
وبدأت أقول: “إحنا.”
وجدتني أجادل في قرارات الحكم بحماسة من قضى عمره في الملاعب، مع أن خبرتي الكروية لم تكن تؤهلني لذلك. وفي الوقت الإضافي، تأرجح قلبي بين الرجاء واليأس، وحين وصلت المباراة إلى ركلات الترجيح، كنت أصرخ بالإسبانية… أو بما تخيلت أنه إسبانية، بينما كانت اللغة الوحيدة المفهومة هي الخوف والأمل.
ثم رفع ميسي الكأس.
وانفجر الملعب.
وأحسب أن شيئًا ما انفجر في داخلي أيضًا.
في الفندق، خلع زوجي قميصه الرسمي، فظهر تحته، كما توقعت، قميص آخر لميسي، ابتل بعرق الاحتفال. ابتسم، لا ابتسامة رجل انتصر فريقه، بل ابتسامة من رأى شخصًا يحبه يعبر، في هدوء، إلى الضفة التي انتظره عندها طويلًا.
يقولون إن الزواج يقوم على الاهتمامات المشتركة.
أما أنا، فأظنه يقوم على أن تترك باب عالمك مواربًا، ثم تثق أن من يحبك سيعبره يومًا بإرادته.
ما زلت لا أجيد شرح قانون التسلل.
لكنني ذهبت إلى قطر زوجةً لرجل يعشق ميسي.
وعدت منها… أهتف للأرجنتين.
وللمرة الأولى، أميل إلى تصديق زوجي حين يبتسم ويقول إن الأمر لم يكن مصادفة.
فلعل ما حدث في لوسيل لم يكن سوى اللحظة التي أدركت فيها أن الرحلة بدأت قبل ذلك بسنوات، بقميصٍ لميسي يختبئ تحت قميصٍ رسمي، وبابٍ ظل مواربًا… حتى وجدتني أعبره من تلقاء نفسي.


