فريقنا الذي اخترناه

.Click here for English

قبل كل بطولة كأس عالم، كان جدي يدعو أفراد العائلة إلى اجتماع.

لم يكن اجتماعًا رسميًا، إذ لم تكن هناك كراسي مُرتبة، ولا جدول أعمال مكتوب. ولكن في وقت ما خلال الأسابيع التي تسبق البطولة، كانت العائلة تجتمع في غرفة معيشة منزله في القاهرة، ورائحة شاي الهيل تملأ المكان، وكان جدي ينظر حول الغرفة ويقول: حسنًا، من سنشجع هذا العام؟

يبدو الأمر بسيطًا. لكنه كان شديد الأهمية في نظر عائلة مصرية في الحقبة التي سبقت تأهل مصر بانتظام لكأس العالم.

لقد غاب منتخبنا الوطني عن الساحة العالمية لفترة طويلة لدرجة أن أجيالًا بأكملها نشأت دون أن ترى العلم المصري يرفرف في كأس العالم. لذلك ابتكر جدي حلًا بديلًا. كنا نتبنى فريقًا… ندرس جدول المباريات، ونتناقش حول من يملك أفضل اللاعبين، ونتوصل إلى قرار جماعي. ليس فريق فرد بعينه، وإنما فريقنا. بمجرد الاختيار، تتلاشى الولاءات الفردية. حب ابن عمي للبرازيل، وولاء والدي لإيطاليا – كل ذلك يُوضع جانبًا. نصبح، لمدة شهر واحد كل أربع سنوات، عائلة واحدة تحت راية واحدة.

في عام 2010، اختار جدي إسبانيا.

جد إيمان، الثالث من اليمين، مع أعمامها.

كان ذلك العام مشحونًا منذ بدايته. استضافت جنوب أفريقيا أول كأس عالم على أرض أفريقية، وفرحت القاهرة وكأنها جزء منها. علقت أعلام كل دولة على الشرفات والدرابزينات. كانت أغنية “واكا واكا” تُبث من كل متجر، ومن كل راديو حافلة صغيرة، ومن كل نافذة. كانت تُعزف دون توقف، تُكرر نفسها خلال حرارة الصيف المصري كنبضة قلب ثانية. لم تكن تُصغي إليها باختيارك، بل كانت تتغلغل فيك ببساطة.

شاهدنا المباراة النهائية معًا، العائلة بأكملها، مُكتظين في غرفة معيشة جدي، إسبانيا ضد هولندا.

امتدت المباراة إلى الوقت الإضافي. هدف إنييستا في الدقيقة 116 حوّل الغرفة إلى ما يشبه الفوضى: انسكب شاي عمي، وغطّت عمتي وجهها بيديها، وتعانق أبناء عمومتي في الردهة. فازت إسبانيا. فزنا نحن أيضًا… فريقنا الذي اخترناه معًا.

كنت أراقب جدي.

كان يبتسم بصدق وبحرارة، لكن عينيه كانتا تتجهان باستمرار نحو الباب. لم يكن مشتتًا تمامًا. بل كان أشبه بإحصاء هادئ. من كان هنا، ومن لم يكن. أحفاده الذين يعيشون في الإسكندرية. ابنه الذي هاجر. الأماكن الفارغة على الأريكة حيث اعتاد الناس الجلوس دون تفكير.

لم أفهم الأمر حينها. كنتُ غارقة في الاحتفال، في الأعلام والضجيج وموسيقى الواكا واكا التي تتسلل من مكان ما في الخارج في الظلام. لكنني فكرت في تلك النظرة مرات عديدة منذ ذلك الحين.

أسس جدي تقليد اختيار فريق لأن مصر لم تكن حاضرة ليتم اختيارها. حوّل الغياب إلى طقس، والطقس إلى سبب لكي تجتمع العائلة في غرفة واحدة والشعور، لبضعة أسابيع، وكأنهم كيان واحد. فلم يكن التصويت يتعلق بكرة القدم في الحقيقة.

توفي قبل عام 2018، العام الذي تأهلت فيه مصر أخيرًا… العام الذي رأى فيه جيل كامل من المصريين علمهم على ذلك المسرح لأول مرة.

لكننا كنا معًا حينما رفعت إسبانيا، فريقنا الذي اخترناه، الكأس. ضجّت القاعة بالهتافات. وابتسم جدي عند الباب، وكأنه يعدّ، بطريقة ما، الأشخاص الذين لن يكونوا حاضرين في المرة القادمة.